حسن الأمين

67

مستدركات أعيان الشيعة

يوافقهم على هذا الاقتراح لأنه قد رأى بأم عينه ما فعله القزلباش بامراء وزعماء جيشه في معركة جالدران . وإذن فان بقاء جيش عرمرم في تبريز دون مئونة أمر مستحيل ، وخفض عدد القوات المرابطة في تبريز أمر يثير الرعب في نفس السلطان سليم ، ولذلك فضل السلطان مغادرة تبريز على جناح السرعة وصرف النظر مؤقتا عن السيطرة على الأراضي الإيرانية . وكان يتمنى أن يكون بمقدوره حرمان أرض القزلباش من خيراتها المادية والمعنوية ، وعلى هذا السبيل أمر بترحيل أصحاب الحرف والفنون الخراسانيين إلى إسطنبول بعيالهم وأطفالهم ، ورحل معهم الميرزا بديع الزمان التيموري وبعث معهم فوجا شديدا خشنا من جيشه لايصالهم إلى تبريز قبل موكبه . ولم يستطع هؤلاء الخراسانيون في إسطنبول صبرا ، ففر بعضهم إلى تبريز مشيا على الأقدام وهلك آخرون في محل إقامتهم الجبرية لما لاقوه من جور وظلم واستطاع البعض الآخر الوصول إلى أوروبا . وعلى أي حال فقد غادر الموكب السلطاني مدينة تبريز بعد أسبوع من الإقامة فيها ، ورغم ادعائه بالاهتمام براحة الناس والمحافظة على حقوق الرعية لم يستطع مقاومة أطماعه وجشعه ، فقد أظهر الأمان لمدينتي نخجوان وإيروان ثم أمر بالإغارة عليهما في منتصف الليل على حين غرة فباشر جنوده بنهبهما وإبادة أهلهما وحرق العديد من المنازل فيهما حتى تحولت إلى أكداس من الرماد والركام . ومع اجتياز القوات العثمانية لايروان اشتدت حاجتها إلى المؤن وأصبحت في عسر شديد من أمرها ووصل الأمر إلى موت العديد من أفرادها جوعا إضافة إلى الخوف والرعب الذي يعاني منهما الجنود طوال أيام وليالي رحلة العودة وإضافة إلى هذه الصعوبات فاجاتهم موجة من البرد القارس . أحداث ما بعد الحرب أقام الشاه إسماعيل في وادي ( پزين ) في همذان بعد معركة جالدران وأمر من هناك بحشد القوات من جميع الولايات ، وقد استقر رأيه على محاصرة آذربايجان من جهاتها الأربع وقطع المؤن عنها ما بقي فيها السلطان سليم ثم المباشرة بشن الغارات الخاطفة على القوات العثمانية . ثم بلغه خبر مغادرة السلطان لآذربايجان فتوجه إلى تبريز بأقصى سرعته ورأى مدى الخراب الذي أحدثه العثمانيون فيها فانصرف لاعمارها . وبعد أن أهلكت معركة جالدران العديد من قادته ووزرائه وأركان دولته . اهتم بعد دخوله تبريز بانتخاب الأشخاص المناسبين لمناصب الدولة ومن ذلك تعيينه للميرزا شاه حسين الأصفهاني خلفا لنظام الدين عبد الباقي بعد أن كان معاونا له في حياته ، وكان هذا الشخص لائقا بهذا المنصب فانصرف لخدمة الناس والسهر على راحتهم وإقرار العدالة بينهم . وكذلك عين الشاه أحد كبار سادات آذربايجان في منصب الصدارة خلفا للأمير شريف الدين علي ، والسيد المذكور هو الأمير شهاب الدين عبد الله بن السيد نظام الدين أحمد المعروف بلاله وهو رجل معروف بطهارته وعلمه وحسن سيرته ولكنه لم يحسن إدارة الأمور القضائية والدينية كما ينبغي ، فعزله الشاه وعين مكانه الأمير جلال الدين محمد حسين [ الشيرنپي ] الشيرنگي فاعطى الصدارة حقها من الكفاءة والجدارة وحسن التدبير . وأمضى الشاه إسماعيل فصل الشتاء في تبريز ، وخلال ذلك زوج قره خان أخا خان محمد استاجلو من أخته [ پيري ] پري خانم ابنة السلطان حيدر وبذلك عوضه بعض الشيء عن زعامة قبيلة الاستاجلو وحكومة ولاية ديار بكر ، ثم غادر تبريز بقوات الإستاجلو متوجها إلى ديار بكر للتصدي فيها لاعتداءات القوات العثمانية على الأراضي الإيرانية في تلك المنطقة . وأخذ الشاه يتنقل في حدود القفقاز وآذربايجان خلال ربيع عام 921 ويراقب تحركات العثمانيين . حيث كان السلطان سليم يهدد باستمرار بأنه سيهاجم إيران قريبا . وفي تلك الفترة أطلع بعض أركان الدولة الصفوية على تقارير تفيد بان والي فارس السلطان خليل ذو القدر آخذ بمراسلة السلطان سليم خلسة متنكرا بذلك لكل العناية والمودة التي يوليهما إياه الشاه إسماعيل . ويجدر التذكير بان سلوك السلطان خليل في معركة جالدران يؤيد كل الاتهامات التي كانت تنسب إليه . وثارت ثائرة الشاه الصفوي فأمر واحدا من أشجع رجاله وأشدهم بأسا يدعى سليمان ويسميه أصحابه ( پورسليمان ) بالسير إلى شيراز على عجل للقضاء على السلطان خليل ثم العودة إلى المعسكر الملكي دون التوقف في شيراز . وغادر سليمان تبريز بأقصى سرعته فقطع المسافة الطويلة بين تبريز وشيراز في غضون أيام معدودة ودخل القلعة الحكومية في فارس فوجد السلطان خليل عاكفا على الشرب والطرب واللهو يحيط به الأمراء والزعماء ورؤساء قبيلة ذو القدر . ويذكر صاحب حبيب السير أن سليمان دخل المجلس فجاة وحين رأى كثرة الحاضرين في المجلس أدرك أن إعلانه لأمر الشاه ربما يوقعه في ورطة يفقد فيها روحه فمن الممكن أن يتمرد السلطان خليل على الأمر الملكي ويصدر أوامره بقتل الرسول . ولذلك عمد سليمان إلى خطة باشر من فوره في تنفيذها ، حيث اقترب من شخص السلطان خليل وهمس في أذنه قائلا : لقد أمرني الشاه الصفوي بجلدك اثنتي عشرة جلدة ثم أعود أدراجي في يومي هذا فإذا نفذت الأمر في مجلسك هذا كان ذلك إهانة لك وحطا من قدرك ، فالأجدر بك أن تدخل دار خلوتك فاجلدك وأعود .